العيني
276
عمدة القاري
شاهين الواسطي . وقال صاحب ( التلويح ) : هو إسحاق بن بشر ، وهو وهم ، وخالد الأول : هو ابن عبد الله الطحان ، والثاني : خالد ابن مهران الحذاء . وهذا الحديث من أفراده . ذكر معناه : قوله : ( جاء إلى السقاية ) ، قد ذكرنا أن السقاية ما يبنى للماء ، وهو الموضع الذي يسقى فيه الماء ، وفي ( المجمل ) : هو الموضع الذي يتخذ فيه الشراب في الموسم وغيره . قوله : ( فاستسقى ) أي : طلب الشرب . قوله : ( يا فضل ) ، هو ابن العباس أخو عبد الله ، وأمهما لبابة بنت الحارث الهلالية . قوله : ( إنهم يجعلون إيديهم فيه ) وفي رواية الطبري عن أبي كريب عن أبي بكر بن عياش عن يزيد بن أبي زياد عن عكرمة ( عن ابن عباس ، قال : لما طاف النبي صلى الله عليه وسلم أتى العباس وهو في السقاية فقال : إسقوني . قال العباس : إن هذا قد مرت يعني : قد مرس أفلا أسقيك مما في بيوتنا ؟ قال : لا ، ولكن إسقوني مما يشرب الناس ، فأتى به فذاقه ، فقطب ثم دعا بماء فكسره ، ثم قال : إذا اشتد نبيذكم فاكسروه بالماء ، وتقطيبه منه إنما كان لحموضة فقط ، وكسره بالماء ليهون عليه شربه ، ومثل ذلك يحمل على ما روي عن عمر وعلي ، رضي الله تعالى عنهم ، فيه لا غير . وروى مسلم من حديث بكر بن عبد الله المزني قال : كنت جالسا مع ابن عباس عند الكعبة ، فأتاه أعرابي فقال : ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ ؟ أمن حاجة بكم أم من بخل ؟ فقال ابن عباس : الحمد لله ، ما بنا من حاجة ولا بخل ، قدم النبي صلى الله عليه وسلم على راحلته وخلفه أسامة ، فاستسقى ، فأتيناه بإناء فيه نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة ، وقال : أحسنتم وأجملتم ، كذا فاصنعوا ، ولا نزيد ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : ( قال : اسقني ) ويروى : ( فقال ) ، الفاء فيه فصيحة أي : فذهب فأتى بالشراب ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إسقني . قوله : ( وهم يسقون ) ، جملة حالية أي : يسقون الناس . قوله : ( ويعملون فيها ) ، أي : ينزحون منها الماء . قوله : ( لولا أن تغلبوا ) ، بضم التاء على صيغة المجهول ، أي : لولا أن يجتمع عليكم الناس ، ومن كثرة الزحام تصيرون مغلوبين . وقال الداودي : أي أنكم لا تتركوني أستقي ولا أحب أن أفعل بكم ما تكرهون فتغلبوا . وقيل : معناه لولا أن تقع عليكم الغلبة بأن يجب عليكم ذلك بسبب فعلي . وقيل . معناه : لولا أن تغلبوا بأن ينتزعها الولاة منكم حرصا على حيازة هذه المكرمة . وروى مسلم من حديث جابر ( أتى النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب وهم يسقون على زمزم ، فقال : إنزغوا بني عبد المطلب ، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزغت معكم ، فناولوه دلوا فشرب منه ) . وذكر ابن السكن أن الذي ناوله الدلو هو العباس بن عبد المطلب . ذكر ما يستفاد منه فيه : دليل على أن الظاهر أن أفعاله فيما يتصل بأمور الشريعة على الوجوب ، فتركه الفعل شفقة أن يتخذ سنة ، قاله الخطابي . وفيه : الشرب من سقاية الحاج ، وقال طاووس : الشرب من سقاية العباس من تمام الحج ، وقال عطاء : لقد أدركت هذا الشراب ، وأن الرجل ليشرب فتلتزق شفتاه من حلاوته ، فلما ذهبت الحرية وولى العبيد تهاونوا بالشراب واستخفوا به ، وروى ابن أبي شيبة عن السائب بن عبد الله أنه أمر مجاهدا مولاه بأن يشرب من سقاية العباس ويقول : إنه من تمام السنة . وقال الربيع بن سعد : أتى أبو جعفر السقاية فشرب وأعطى جعفرا فضله ، وممن شرب منها : سعيد بن جبير وأمر به سويد بن غفلة : وروى ابن جريج عن نافع أن ابن عمر لم يكن يشرب من النبيذ في الحج ، وكذا روى خالد ابن أبي بكر أنه حج مع سالم ما لا يحصى ، فلم يره يشرب من نبيذ السقاية . وفيه : إثبات أمر السقاية للحاج ، وأن مشروعيته من باب إكرام الضيف واصطناع المعروف . وفيه : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تحرم عليه الصدقات التي سبيلها المعروف كالمياه التي تكون في السقايات تشربها المارة . وقال ابن التين : شربه صلى الله عليه وسلم لا يخلو أن يكون ذلك من مال الكعبة الذي كان يؤخذ لها من الخمس ، أو من مال العباس الذي عمله للغني والفقير ، فشرب منه صلى الله عليه وسلم ليسهل على الناس . وفيه : أنه لا يكره طلب السقي من الغير . وفيه : رد ما يعرض على المرء من الإكرام إذا عارضته مصلحة أولى منه ، لأن رده لما عرض عليه العباس مما يؤتى به من بيته لمصلحة التواضع التي ظهرت من شربه مما يشرب منه الناس . وفيه : الترغيب في سقي الماء خصوصا ماء زمزم . وفيه : تواضع النبي صلى الله عليه وسلم . وفيه : حرص أصحابه صلى الله عليه وسلم على الاقتداء به . وفيه : كراهة التقذر والتكره للمأكولات والمشروبات . وفيه : أن الأصل في الأشياء الطهارة لتناوله ، صلى الله عليه وسلم ، من الشراب الذي غمست فيه الأيدي ، قاله ابن التين ، والله أعلم بحقيقة الحال .